ابن رشد
12
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
فما يصدق على الأشاعرة يصدق على المعتزلة في هذا المجال ، أعني أن طريقتهم في الاستدلال هي أصلا طريقة المعتزلة ، وقد امتصتها الأشاعرة امتصاصا ، ووظفوها في نصرة عقائدهم . والعقائد عندما تتحول إلى " مذهب " ، أو عندما يتعامل الناس معها ، سواء أتباعها أو خصومها ، بوصفها كذلك ، فإن ذلك يعني أنها أصبحت منغمسة بصورة أو أخرى في الصراع الاجتماعي مما يجعل تاريخ تطورها مرتبطا ب " التاريخ " العام ، والسياسي منه خاصة ، وبالتالي يكون لها تاريخها الخاص . ومن هنا يمكن القول إن النقد الذي يمارس على علم الكلام من هذا الشخص أو ذاك ، من هذه الجهة أو تلك ، لا يمكن استيعاب أبعاده ومضامينه إلا باستحضار المراحل السابقة من تطور هذا " العلم " من جهة ، والظروف والملابسات والمرجعيات التي حددت فكر الناقد واتجاهه من جهة أخرى . إن تاريخ " الموضوع " وتاريخ " الذات " في الممارسة النقدية هما اللذان يعطيان لهذه الممارسة بعدها التاريخي ، أعني البعد الذي يعطيها معنى ، ليس في الماضي فحسب ، بل أيضا في الحاضر . وبعبارة أخرى لا يمكن أن يكون ابن رشد حاضرا بيننا ، ينوب عنا في التعبير عن بعض همومنا ، إلا إذا نحن " حضرنا معه " أولا ، وشاركناه همومه واهتماماته . لنبدأ أولا بالتعرف على الخطوط الكبرى والمحطات الرئيسية لتطور علم الكلام ، إلى زمن ابن رشد . أولا : في المشرق 1 - في البدء كان " الخلاف " من الحقائق التي يعرضها علينا تاريخ الفكر البشري ، بما في ذلك تاريخ العلم ، أن الناس يبدءون في ممارسة فن من القول أو نوع من المعرفة قبل أن يسموه ويقننوه ، تماما مثلما تكلموا اللغة قبل وضع قواعد لها . إن إعطاء اسم لجملة من المعارف يأتي دائما في مرحلة لاحقة ، أي عندما تصبح تلك المعارف في حاجة إلى تبويب وتنظيم ، وقابلة للتقعيد والترسيم . و " علم الكلام " في الحضارة العربية الإسلامية شأنه هذا الشأن . لقد " تكلم " الناس وخاضوا في " الكلام " قبل أن يطلقوا على جملة المسائل ، التي صارت موضوعا لنوع خاص من الخطاب ، اسم " علم الكلام " . وإذا كنا لا نعرف بالتدقيق متى ظهر اصطلاح " علم الكلام " فإن ما يورده